الجزائر والسير عكس التيار

يبدو أن الجزائر لا تريد أن تستخلص شيئا مما جرى ويجري في البلاد العربية منذ الإطاحة ببن علي في كانون الثاني/يناير الماضي. لم تكتف الحكومة الجزائرية باتخاذ مواقف فاترة أو مناهضة لكل ما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية بتبريرات مختلفة بل ها نحن نراها هذه الأيام تعمد في أكثر من مجال على السير عكس ما يمكن أن يسمى إصلاحا سياسيا حقيقيا حتى في ربوعها.

آخر ما سجل في هذا السياق إعلان الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية الحاكم عبد العزيز بلخادم أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية المقبلة في العام 2014 ‘إلا إذا رفض الأخير ذلك’. لم يكن مطلوبا أصلا أن يتطوع أحد في الجزائر إلى القول منذ الآن، وقبل سنتين على الأقل، بأن رئيسهم الحالي سيكون هو نفسه رئيسهم المقبل. لو كان المطلوب إعلانه من الآن هو القول إن بوتفليقة لن يكون مرشحا بعد عامين لعرف أن لهذا التبكير في التصريح وجاهته. كان ذلك يمكن أن يعني فتحا لآفاق تغيير من الأفضل أن يجري من الآن التفكير فيه وربما الخوض في تفاصيله. كان ذلك يمكن أن يفهم على أن البلاد عازمة على الدخول في عهد مختلف يقوم على التغيير الهادئ الذي يمكن أن ينطلق من الآن ويكون تتويجه اختيار رئيس جديد لها عام 2014.

تصريح بلخادم لجريدة ‘الخبر’ الجزائرية مختصره هو التالي: لا تنتظروا تغييرا في أعلى رأس هرم الدولة بعد عامين إلا إذا تكرم الرئيس نفسه بذلك. يجري ذلك مع أنه لم يعد خافيا الجدل الدائر في البلاد حاليا حول الوضع الصحي للرئيس ومدى أهليته للاستمرار في تحمل أعباء مسؤولياته الجسام فكيف بتبشير الشعب من الآن بأن من هو محل جدل اليوم هو نفسه الذي سيكــون مرشحا بعد عامين؟!! طبعا دون أن نغفــل أن بلخادم لم يكلــف نفسه حتى مجرد الإشارة الإيمانية العابــرة إلى أن ذلك يمكن أن يكون إذا ما أمد الله في الأعمار.

ما يزيد في ترسيخ الانطباع بأن آفاق التغيير السلمي الديمقراطي في الجزائر طريقه مسدود تقريبا هو تلك الكلمات التي قالها أيضا السيد بلخادم تسخيفا لثورات شعوب كاملة ضد الاستبداد والفساد. لم يكتف بلخادم برفض تسمية الحراك الذي تشهده الدول العربية بالثورات، فهذا من حقه على كل، لكنه تساءل بنوع من التسطيح المقصود عمن يقف وراء ”فيسبوك”، متناسيا أن الأغلبية الساحقة التي خرجت ثائرة على ظلم بن علي ومبارك والقذافي وصالح والأسد لم تعرف في حياتها معنى هذه الكلمة. صحيح أن فئات من الشباب تزيد أو تقل في هذا البلد العربي أو ذاك لجأت إلى هذا الأسلوب العصري في النضال والتعبئة والتواصل عبر الإنترنت ولكن من غير الصحيح ولا الدقيق ولا المنصف أن نختزل ثورات شعوب عربية ضد عقود من الدكتاتورية والفساد في هذا الموقع الشهير. ومع التقدير لخصوصية التجربة التي عرفتها الجزائر عام 1989 وفتحت باب التعددية رغم انقلاب العسكر على إرادة الناخبين عام 1990 ومصرع أكثر من مائة ألف جزائري، إلا أن ذلك لا يعطي الحق للسيد بلخادم في عقد مقارنات ليست في محلها بالمرة ليصل إلى استنتاج مسبق لديه مفاده ببساطة أن ‘ما قام به الجيران ليس عملا بطوليا’!.

و مما يرجح أن تصريحات السيد بلخادم المثبطة لآمال التغيير في بلاده والمستخفة به في غيرها قد لا تكون بالمرة تصريحات شخصية أن البرلمان الجزائري المجتمع بالأمس الثلاثاء يتجه إلى إقرار قانون يشدد شروط إنشاء الأحزاب السياسية عوض تسهيلها. يحدث هذا رغم ما وعد به الرئيس بوتفليقة نفسه في 15 نيسان/أبريل الماضي من إجراء إصلاحات سياسية شاملة، منها تعديل قانون الأحزاب وخمسة عشر قانونا آخر. وطالما لم تصدر تصريحات أخرى مختلفة من شخصية جزائرية قيادية تعكس بالأساس توجه المؤسسة الحاكمة، وعلى رأسها العسكر، إلى فتح اللعبة السياسية وليس المزيد من تضييقها، فإن الجزائر تتجه حتما لمزيد من الاحتقان المنذر بالكثير.

محمد كريشان

 
This entry was posted in Non classé. Bookmark the permalink.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *