ماكيط الخلافة

رمضان مصباح الإدريسي

هل هي حلقة من مسلسل أبي مسلم الخرساني؟
هكذا تساءل أحد المعلقين على شريط داعشي يروم إقناع المشاهدين بأن كل شيء على مايرام في تدبير الخلافة لشؤون المسلمين ،حبث بويعت؛وخصوصا في الموصل بالعراق.
يظهر شرطيان من شرطة الحسبة،يجوبان الأسواق،بزي يمزج بين البياض والسواد؛وقد بدت القبعتان يهوديتي الشكل ،مما ذكرني بيهود الملاح القديم في مدن المغرب. يتساءل كبيرهما بابتسامة اشهارية: تبيع خروفا أم غنمة (شاة)؟بكم؟ وأنت هل هذا عصير نصفه ماء؟
يُحدِث الرجلان جَلبَة حيثما حلا ،مما يعني أن الكاميرا ليست وحدها المصوبة .
سيدي صوتك يصل إلى الوالي،بخلاف أصواتنا .نريدك سيدي أن تنقل له كذا وكذا.يجيب الشرطي البشوش: نحن لا نتبع لديوان المظالم.اذهبوا الى الديوان واعرضوا شكاتكم. وبعد أن يتباهى – متحديا- بألا أحد مخمورا ،أو يبيع خمرا في المدينة؛تعرج الكاميرا على حشد من الناس –شيبة وشبابا ،وأطفالا- يتوسطهم صليب بحمل آدمي ،سليم الرقبة، شُد َّوثاقه،وعُصبت عيناه .
لم يرعبني منظره من كثرة ما رأيت من ذبح-حتى تعجبت الزوجة من رباطة جأشي-لكن هالني أن أرى الناس يلتقطون لمصلوب القرن الواحد والعشرين صورا بهواتفهم وكاميراتهم ،وكأنهم في نزهة بحديقة للحيوانات.هكذا إذن تفرج الناس على الحلاج ذات صلب في بغداد.
هنا الخطر الكبير،أو البشاعة ذاتها: أن تكون الجريمة بحاضنة شعبية ،مشجعة أو لا مبالية.
تلِج الكاميرا بناية محكمة ،باغت القضاء الداعشي ملفاتها ،وروادها ؛دون أن يكون أي طرف مستعدا للآخر.لم يبق للمتحدث عن هذا العدل الهابط من السماء، إلا أن يقول إن روح عمر بن الخطاب (ض) تتحرك في كل الأرجاء، لتبث في الأقضية والنوازل. يتم الإدلاء بأن المؤهلات العلمية –وقد اعتقدناها قتالية فقط- لقضاة الخلافة بدون حدود.
يلتفت الشريط الى المستقبل ،فيجيش أطفال الأزقة ليشهدوا للخليفة بالصلاح.يقول المتحدث:لامشكل الا مع الكبار المتوجسين خيفة.الصغار معنا ،وهم جنود المستقبل. لايمانع داعشي في دخول النهر ،سابحا مع الأطفال ،مما زحا بعضهم بالإغراق. أويمزح فقط هذا “الأبو نحر” القادم من أسمال التاريخ؟
ويكمل شريط آخر ماكيط الخلافة هذا بإظهار سوق نخاسة في أتم نشاطها.بورصة داعشية للحم البشري الحي.حرائر عربيات تأخر زمن سبيهن وبيعهن من طرف “بوكو حلال”،وكل العالم ينظر.
اللون الأحمر للماكيط معلوم للجميع ؛وآخر مجسم فيه يُظهر الصحفي الأميركي – أسير الخلافة- منتظرا قدره ،بكل ألوان غوانتانامو. لغة انجليزية راقية تذبحها لغة انجليزية راقية.هذه رؤيا لم يرها عزيزأو ملك أو رئيس.
إني رأيت لغة تذبح لغة.
فضحتنا الداعشية:
من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها. وانصرف الناس ولم تبق مع المسيح غير المرأة الزانية.كلهم زنوا ،ولا أحد وجد في نفسه الشجاعة لينكر عليها صنيعها ،بحجر.
من أنكر أنه داعشي يُنكر بعض القرآن .وحينما يقسم الداعشي في الشريط:والله ما ظلمنا أحدا يُصدقه القرآن.
ماذا نفعل الآن وقد فضحونا بداعش؟ بماكيط الخلافة، ليقولوا للعالم: هؤلاء هم.وهذا أقصى حلمهم.أن تكون لهم خلافة تشد الوثاق وتضرب الرقاب .خلافة تعتلي حتى سطح البيت الأبيض، لتغرز راية الإسلام بين كتفي الرئيس الأمريكي.
لايهم أن نزايد ،ونتمحل التفاسير ،وننسب ديننا لغير حضارة العنف. هذا أصبح مفضوحا اليوم.لقد قطع أسلافنا الرأس التي لم تسلم.وقطعهوها لأنها عصت وان أسلمت.وقطعوها لأنها إذ أسلمت لم تبايع ؟وقطعوها لأنها إذ لم تجاهر وسوست صدرَها.وقطعوها لأنها تغري بالقطع كل سياف راكب صولته ورئاسته.قطعوها ظلما ،كما قطعوها عدلا.قطعوها جدا كما قطعوها هزلا.
حينما نعترف بهذا نلتفت الى الأزمنة التي علمتنا كل هذه الغلظة والشراسة ،لنتيقن بأن كل سيوف الأمم تفاخرت بالأشد مضاء. وعلينا بعدها أن نسأل أمم الحضارة والحداثة اليوم:كيف تقدمتم وكيف تخلفنا؟ كيف طورتم شراستكم ولطفتموها
في حين يطبق علينا الحنين ،ماضيا وحاضرا ومستقبلا،إلى واد الدماء ؟هاهم أطفال سوريا و العراق ،الداعشييْن، يلقون بكل برامج التربية المدنية ويبايعون داعشا.
هاهم حتى أبناؤكم،وأبناء برامجكم، ما أن يلجوا ماكيط الخلافة حتى ينظر بعضهم الى رَقبة البعض مشتهيا.
أخال أن هولاند العلماني لو أسلم ،وأخلص في داعشيته،لطفق ينظر إلى رقبة الألمانية ميركل. ولو فعلها اوباما لما سلمت رقبة الملكة اليزابيت.
لنرفع التحدي ونعطل نصوص القتل:
بدون ثعلب يظهر ويختفي ،وبدون محطات انتظار “غودو”؛وبدون كفر ولا إيمان يعلوان عن الزمان وسنن التطور.
لقد فضحونا،دينيا و حضاريا، بداعش ؛وما هذا الا جانب من اشتغالاتها الأخرى التي نعلم والتي لانعلم.
لا أحد يجادل في كون “فرانكشتاين” خرج من المختبر ؛لكن أي مختبر؟ هل هو فقط مختبر هذا الغرب العولمي الذي يسعى الى وحدة الثقافة النموج،والهيمنة الاقتصادية المطلقة ،التي تحميها ترسانة عسكرية ،امتلكت منذ زمان مقدرات تدمير كوكب الأرض مائة مرة؟
أم هو مختبر الأصوليات الخليجية ،الفاحشة الثراء،والفاحشة الجهل والتخلف؛الى درجة مصادمة كل الفكر الإنساني الحداثي،وإلغاء دينامية القرون ،وهي تركب أجزاء هذه الماكيط الغريبة ؛لتغري الأجيال بحجز الشقق “الفاخرة” قبل النفاذ؟
مهما اتهمنا ،وحشدنا الحجج ،فلن نستطيع إنكار أننا نردد جميعا ،وفي كل ساعات النهار نصوصا قتالية، لم نقف بها عند خصوص السبب ؛ولم يفتأ أصوليونا يرددون بأن العبرة ،فيها،بعموم اللفظ ،وسريانه في كل زمان ومكان.
تمتلك الأصوليات الخليجية الثروة الكافية لبناء الأرض مائة مرة لكنها لاتقيم-أحيانا- حتى مجاري المياه لشعوبها.
بوسع ثروة خليجية صغيرة أن تبني ألف مؤسسة تعليمية، تُعلم ولو الحِس المدني فقط ؛لكنها تفضل تدريب الأطفال-وراء وراء- على جز الرؤوس.
إن فضائيات تُسَير بميزانيات دول ،وبآليات في منتهى التطور التكنولوجي ،لكنها لاتزيد على الاشتغال لصالح أشد مستويات الفكر ظلامية و انحطاطا . أيوجد نفاق وعبث أكثر من هذا؟
لو حكَّمنا هذا الفكر في إنتاج بعض آليات الاشتغال التكنولوجي للقنوات ،إياها،لأصيبت بالبكم ؛لأنه فكر لا ينتج ولو مسمارا غبيا ،فما بالك بمسبار ذكي.
لقد فضحونا بداعش ،لكنهم قدموها لنا هدية ثمينة لنرى في بشاعتها وجوهنا،بدون مساحيق.تحسسوا رقابكم داعش انطلقت.

ولنبحث كيف نرد الصاع ،بفضح المختبر–أينما وجد-وبناء أوطان داخل التاريخ وليس خارجه.
أجلوا حلم الأمة ،وأغلقوا الباب التي أصابنا منها أذى كبير.
اللهم لا تجمعني بميتمي الأطفال،ظلما ؛وكارهي العلم اختيارا ،ولو في الجنة.
Ramdane3.ahlablog.com

 
This entry was posted in Algérie, Libye, Maroc, Mauritanie, Reste du monde, Tunisie and tagged . Bookmark the permalink.

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *